مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

ذلك الطريق الخفي ..صفحات من كتاب "في جوهر الكتابة" 

 

كان البحر، في ذلك الصباح السكندري، يبدو كأنه يكتب شيئًا ثم يمحوه قبل أن يراه أحد.
كانت الموجة تجيء، فترسم سطرًا طويلًا على الرمل، ثم تأتي أخرى فتأخذه معها، كأنها تخشى أن يبقى. وكانت النوارس تعبر الأفق في هدوء، بينما يمتد الكورنيش خلفي كذاكرة لا تنتهي، ويصعد من بعيد صوت الترام، خافتًا ومترددًا، كأنه قادم من زمن آخر.
وقفت طويلًا أحدق في الماء، أراقب الموج... موجةً بعد أخرى.
لم أكن أفكر في الكتابة، ولا في كتاب، ولا في مقال ينتظر أن يُكتب. كنت أنظر إلى البحر كما ينظر الإنسان إلى وجه قديم يعرفه، ولا يعرف متى رآه أول مرة. وكان يخيل إليَّ أن البحر يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي، وأنه، منذ سنوات بعيدة، كان يجمع في صمته ما سأظنه، بعد زمن طويل، كلمات.
كانت الأمواج تتقدم ببطء ثم تتراجع في هدوء، كأنها تتردد قبل أن تقول سرًا قديمًا. وكلما محا الماء أثره عن الرمل، بدا لي أنه لا يمحو شيئًا، بل يعيد كل شيء إلى مكانه الأول، إلى ذلك المد البعيد الذي لا تراه العين، لكنه يظل يحرك البحر كله.
هناك، عند الحد الفاصل بين الموج والرمل، خطر لي أن أكثر الأسئلة هدوءًا هي التي تغيّر حياتنا كلها.
وتذكرت.
سألني رجل ذات يوم، ونحن نسير في طريق ريفي هادئ، سؤالًا بدا في ظاهره من أبسط الأسئلة. وربما كان ذلك في ظهيرة عادية، أو في مساء هادئ؛ لا أذكر. ربما كانت السماء ملبدة بالغيوم، وربما لم تكن. ما أتذكره حقًا هو أنه ابتسم ابتسامة عابرة، ثم قال، وهو يشعل سيجارة وينظر إلى الشارع كأن السؤال لا يعنيني وحدي:
— كيف كتبت كل ما كتبت؟... باختصار، كيف تكتب؟
ثم مضى في حديث آخر، كأن شيئًا لم يكن، وغادر الرجل، لكن السؤال لم يغادر.
بقي بعد أن اختفى صاحبه، كما تبقى أغنية بعيدة في الرأس؛ لا تسمعها بوضوح، لكنها لا تتوقف. ولم يكن من الأسئلة التي ترحل مع أصحابها، بل كان يشبه وجوهًا رأيتها مرة في ترام اللإسكندرية، ثم ظلت تلوح لي كلما عبرت الشوارع نفسها.
كان سؤالًا بدا بسيطًا، لكنه ما إن استقر في داخلي حتى أخذ يتسع، كما تتسع دوائر الماء حين تسقط فيها قطرة واحدة.
لم يكن سؤالًا عن الكتابة وحدها، بل عن الزمن الذي يسبقها، وعن تلك الحياة الصامتة التي لا يراها أحد، والتي تنسج، في خفاء، ما نسميه لاحقًا كلمة.
ابتسمت، كما يفعل الإنسان حين يسأله أحد عن اسمه فينساه للحظة.
قلت لنفسي إنني سأجيب.
أردت أن أجيبه.
لكنني لم أعرف.
لا أدري.
ولم يكن عجزي عن الإجابة تواضعًا، ولا رغبة في إخفاء سر من أسرار الصنعة، ولا لأنني أملك سرًا أتحفظ عليه أو أتهرب من كشفه، بل لأنني، في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أعرف حقًا.
اكتشفت أنني لا أعرف من أين بدأت الرحلة، ولا من أين تبدأ الكتابة.
كيف أكتب؟ كيف نكتب؟ كيف يكتبون؟ كيف تبدأ الكلمة؟ وكيف تنتهي؟ ومن أين تأتي الجملة الأولى؟ ولماذا تأتي أحيانًا، ثم تغيب شهورًا كاملة؟
أهو سؤال عن القلم؟ أم عن الورق؟ أم عن تلك الساعات الطويلة التي أقضيها أمام صفحة بيضاء، ثم أنهض منها كما دخلت إليها؟
كثيرًا ما يخيل إلى الإنسان أن الكلمات تنتهي بانتهاء صوت قائلها، غير أن بعض الكلمات لا تنتهي؛ إنها تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن يصمت الجميع.
وكان هذا السؤال واحدًا من تلك الكلمات التي لا تعرف كيف تموت.
كنت أستعيده في الطريق، وأثناء القراءة، وفي المقهى، وبين صفحات الكتب، وحتى قبل النوم. وكلما هممت أن أجيب وجدتني أعود إلى الوراء، كأن الطريق إلى الإجابة لا يسير إلى الأمام، وإنما يغوص في الماضي.
وكأن السؤال لم يكن يريد جوابًا بقدر ما كان يريد أن يأخذني إلى مكان لم أزره منذ زمن بعيد.
ورائي كان البحر يواصل عمله القديم.
الموجة تكتب، والموجة التالية تمحو، ثم تأتي ثالثة، لا لتكرر ما سبق، بل لتبدأ من جديد، وكأن البحر يعرف أن البدايات الحقيقية لا تُرى، وإنما تُسمع في ذلك الصوت الخافت الذي يسبق وصول الماء إلى الشاطئ.
عندها سألت نفسي:
أيَعْرف الإنسان حقًا كيف بدأت حياته؟
إنه يعرف يوم ميلاده، لكنه لا يعرف اللحظة التي بدأت فيها روحه تتشكل.
وكذلك الكتابة؛ نعرف اليوم الذي كتبنا فيه أول سطر، لكننا لا نعرف اليوم الذي بدأت فيه الكلمة تنمو في أعماقنا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سنحت لي ساعة هدوء، أخذت أفتش في حياتي كما يفتش شيخ في صندوق قديم ورثه عن أبيه، لا طمعًا فيما بداخله، بل رغبة في أن يعرف كيف عاش الذين سبقوه.
وعدت أفتش في الذاكرة كما يفتش جندي عاد من حرب قديمة بين أوراق أوامر لم يعد أحد يقرأها.
وكلما حاولت أن أستدعي البداية لم أجدها.
لم أجد سوى أشياء صغيرة لا تبدو جديرة بالذكر.
وهناك، في مكان ما خلف الذاكرة، بدأت أفتش.
تذكرت أول قلم احتفظت به، قلمًا قديمًا احتفظت به أكثر مما ينبغي، كما يحتفظ طفل بلعبة أحبها أكثر مما ينبغي.
ثم وجدت أقلامًا استهلكها الزمن، ودفترًا ضاع، بل أول دفتر ضاع مني؛ دفترًا قديمًا فقدته في مدرسة لم أعد أعرف أين أصبحت، وحزنت عليه أكثر مما حزنت على أشياء كانت أثمن منه، وبكيت عليه أكثر مما بكيت على ما كان، في ظاهره، أغلى قيمة.
وتذكرت محاولاتي الأولى، حين كنت أظن أن الجمال يسكن في البلاغة، ثم اكتشفت، بعد سنوات، أن الجمال الحقيقي يسكن في الصدق.
وتذكرت جملًا كتبتها وأنا أظن أن الدنيا لن تعرف مثلها، ثم ضحكت منها حين أدركت أن الإنسان لا يسمع صوته الحقيقي من أول مرة، وأن تلك الجمل التي خلتها يومًا عظيمة لم تكن سوى محاولات خجولة للعثور على صوتي، حتى جاءت أول جملة شعرت أنها تشبهني.
ومع ذلك...
لم يكن شيء من هذا كله هو البداية.
لأن البداية كانت أقدم من القلم، وأقدم من الدفتر، وأقدم حتى من الرغبة في الكتابة.
فالكتابة لا تبدأ حين نكتب أول سطر، ولا حين نجلس إلى الطاولة، ولا يوم يمسك المرء بالقلم.
إنها تبدأ قبل ذلك بسنوات، في أماكن لا تخطر لنا على بال، حين يقرر شيء مجهول في أعماقنا أن الوقت قد حان.
لا أعرف ما ذلك الشيء، ولست متأكدًا أنني أريد أن أعرفه.
فبعض الأبواب تفقد معناها إذا عرفنا كيف تُفتح.
ولأن الإنسان لا يبدأ من الأشياء التي يملكها، بل من المشاعر التي عاشها قبل أن يعرف أسماءها.
كانت البداية هناك...
في مكان آخر.
في طفل كان يطيل الوقوف أمام نافذة، يراقب المطر دون سبب، كأنه ينتظر أحدًا لن يأتي.
كنت أقف أمام تلك النافذة طفلًا، أتأمل المطر وهو يغيّر شكل الشارع ببطء حتى يبدو كأنه شارع آخر، وأتبعه بعيني وهو يعبر الزجاج في هدوء، حتى يخيّل إليّ أن الزمن نفسه قد أصبح ماءً.
لم يكن ذلك الطفل ينتظر أحدًا، ولم يكن يفكر في شيء بعينه، لكنه كان يشعر بذلك الحزن الهادئ الذي يسبق المعرفة.
كنت أنا ذلك الطفل.
ولم أكن أعرف أنني أتأمل الدنيا، بل كنت أظن أنني أقتل الوقت.
واليوم أعرف أن الوقت هو الذي كان يصنعني.
ولا أعرف لماذا بقيت تلك النافذة في ذاكرتي أكثر من غرف كاملة عشت فيها بعد ذلك.
ثم التفت إلى البحر.
كانت السماء قد مالت قليلًا إلى الزرقة الشاحبة، وصار ضوء النهار أكثر نعومة، وكان الموج يعبر أمامي كما يعبر المطر أمام زجاج نافذة قديمة.
وفجأة...
بدت لي نافذة الطفولة وبحر الإسكندرية شيئًا واحدًا.
كلاهما كان يعلمني النظر؛ لا النظر إلى الأشياء، بل النظر إلى ما تختبئ وراءه الأشياء.
وعندها فقط فهمت أن الطفل الذي كان يراقب المطر لم يكن ينتظر المطر، كما أن الرجل الذي يقف الآن أمام البحر لا ينتظر البحر.
كان كلاهما ينتظر الكلمة...
قبل أن يعرف أن اسمها الكلمة.
ولم يخطر ببالي، يومئذ، أن ذلك الطفل لم يكن يضيع وقته أمام النافذة، بل كان، من حيث لا يدري، يقضي أول درس في الكتابة.
ولم تكن النافذة وحدها هي البداية.
كانت البداية أيضًا في صورة قديمة بقيت معلقة على جدار بعد أن رحل أصحابها جميعًا، تؤدي وحدها واجب الذاكرة.
لم يكن أحد ينظر إليها، لكنها كانت تنظر إلينا جميعًا، بصبر الأشياء التي تعرف أنها ستبقى بعد أن نرحل.
وكلما مررت بتلك الصورة خُيّل إليّ أننا لسنا نحن الذين نتأملها، بل هي التي تتأملنا.
وأدركت، بعد سنوات، أن الأشياء أكثر وفاءً من البشر؛ فالناس يرحلون، أما الأشياء فتظل شاهدة عليهم، صامتة، لكنها لا تنسى.
وكأن الأشياء تعرف من أعمارنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا.
وكانت البداية أيضًا في وجه رجل رأيته مرة واحدة في محطة قطار، ثم لم أره بعدها أبدًا.
لا أعرف من يكون، ولا أعرف اسمه، ولا أين انتهت حياته، ولا إلى أين ذهب.
لكن وجهه بقي في ذاكرتي، كأنه أحد أفراد العائلة، أو قريب فقدته قبل أن أعرفه، وكأن القدر لم يشأ أن يجمع بيننا إلا تلك اللحظة، ثم جعلها تكفي عمرًا كاملًا.
وبقيت ملامحه في داخلي، كما تبقى رائحة البيوت القديمة بعد أن تهدمها الأيام.
وكانت في رائحة كتاب قديم مهمل، وفي شجرة قُطعت، وفي شارع كنت أعبره كل يوم دون أن أراه حقًا، حتى جاء صباح بدا فيه مختلفًا.
لم يكن الشارع قد تبدل.
وإنما الذي تبدل كان شيئًا في داخلي.
رأيته فجأة، لا لأنه تغير، بل لأنني أنا الذي تغيرت.
وربما كانت البداية أيضًا في بيت قديم لم يعد موجودًا، أو في صورة بهت لونها، أو في شجرة قُطعت، أو في شارع كنت أعبره كل صباح، دون أن أعرف أنني سأعود إليه يومًا في كتاب.
وهكذا أخذت أفهم أن العالم لا يكشف نفسه دفعة واحدة، بل ينتظر حتى يصبح الإنسان مستعدًا لرؤيته.
وهل تتغير الأشياء؟
أم أننا، في لحظة ما، نصبح قادرين على رؤيتها؟
لا أعرف.
لكنني أدركت أن الأشياء لا تتغير كثيرًا، وإنما الذي يتغير هو القلب.
ورفعت رأسي نحو البحر.
كان المد قد اقترب من قدميّ قليلًا، حتى لامس طرف الحذاء، ثم انصرف في هدوء، كأنه لا يريد أن يقطع تأملي، بل أن يشاركني فيه.
وبدت صفحة الماء، في تلك اللحظة، كصفحة كتاب قديم، لا تُقرأ من السطر الأول، بل من آثار الأصابع التي قلبت صفحاته، ومن التجاعيد التي تركها الزمن على أطرافه.
وأدركت أن البحر، مثل الذاكرة، لا يحتفظ بكل شيء؛ إنه يعيد إلينا ما يريد أن يعيده، ويبتلع ما لا حاجة لنا به.
فالذاكرة لا تحفظ ما هو أعظم، وإنما تحفظ ما هو أصدق.
والذاكرة غريبة؛ فهي لا تحفظ ما نطلب منها أن تحفظه، ولا ما نريد نحن، بل ما تريده هي.
لا تسير في خط مستقيم، وإنما تعود، وتتوقف، وتقفز فوق السنوات كما يقفز الضوء بين أغصان الأشجار.
تخفي أعوامًا كاملة، ثم ترد إلينا لحظة صغيرة كأنها أثمن من العمر كله، وتترك الأحداث الكبيرة تمضي، ثم تتشبث بصوت باب أُغلق ذات مساء، أو بظل شجرة قُطعت منذ زمن بعيد.
وأحيانًا أعتقد أن حياتنا تشبه غرفة واسعة، مظلمة قليلًا.
نمشي فيها كل يوم، لكننا لا نضيء إلا زاوية صغيرة.
وبعد سنوات، ونحن نكتب، تضاء زاوية أخرى فجأة، فنرى كرسيًا قديمًا، أو صورة، أو بابًا كنا نظنه غير موجود.
حينها فقط نفهم أن الأشياء لم تختفِ قط.
كانت تنتظر.
وكنت أظن أن كل ذلك مجرد تفاصيل عابرة، ولم أكن أعرف، يومها، أن تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن أشياء متفرقة، بل كانت الحروف الأولى لكتاب لم يُكتب بعد.
بعد سنوات، فهمت أن الحياة لا تمنح الكاتب الكلمات، بل تمنحه ما هو أثقل منها؛ تمنحه الصمت الذي ستولد منه الكلمات.
واكتشفت أن الحياة لا تصنعنا بالأحداث الكبيرة، ولا بالحروب، ولا بالانتصارات، ولا بالهزائم، وإنما بتلك الأشياء الصغيرة التي تمر في صمت، فلا نلتفت إليها إلا بعدما تصبح جزءًا منا.
لقد أخطأنا طويلًا حين ظننا أن الحياة تصنعها الأحداث العظيمة.
فليس الذي يصنع الإنسان، في أكثر الأحيان، الحروب ولا الانتصارات ولا الهزائم، وإنما تلك اللحظات الصغيرة التي تمر هادئة، فلا نعيرها اهتمامًا، ثم نكتشف، بعد أعوام، أنها كانت تغيّر مصيرنا كله.
عندها أدركت أن الأشياء الصغيرة ليست صغيرة كما تبدو، وأن لحظة عابرة قد تحمل من الحياة أكثر مما تحمله أعوام كاملة، وأن وجهًا رأيته مرة واحدة يستطيع أن يعيش في الذاكرة أطول من وجوه صاحبتني سنوات.
ما أغرب هذا كله!
كل تلك الأشياء التي حسبتها يومًا مصادفات لم تكن متفرقة كما ظننت، بل كانت تتجمع في مكان لا تراه العين، مثل مياه بعيدة تبحث عن نهرها.
وكان البحر، أمامي، يكرر الدرس نفسه.
لا موجة تأتي وحدها.
ولا موجة تنتهي وحدها.
كل موجة تحمل في داخلها أثر الموجة التي سبقتها، وتترك للموجة التي بعدها ما تكمله، حتى بدا البحر، وهو يبدو لنا حركة متصلة، ذاكرةً لا تنقطع.
وكانت الحياة، بهدوء لا يكاد يُرى، تجمع مادتها الخاصة، بينما نظن أننا نعيشها.
تضيف سطرًا، ثم تمحوه، وتترك أثرًا خافتًا في الروح ثم تمضي، ولا نفهم شيئًا إلا بعد زمن طويل، حين نلتفت فنرى أن ما حسبناه تفاصيل متناثرة لم يكن إلا نسيجًا واحدًا، وأن الأيام، وهي تبدو منفصلة، كانت تخيط في صمت ثوبًا واحدًا اسمه العمر.
ثم أدركت شيئًا آخر.
لقد كنت أظن أنني أعيش حياتي، لكن الحقيقة أن الحياة كانت، في صبرها العجيب، تبني داخلي إنسانًا آخر.
كنت أظن أنني أعيش فقط.
ثم اكتشفت أن الحياة كانت تكتبني.
كانت تجمع النظرات التي لم أفهمها، والخسارات التي حسبتها عابرة، والوجوه التي لم أعرف أسماءها، والطرقات التي سرت فيها بلا هدف، والأصوات التي سمعتها ثم نسيتها.
وكان الزمن، دون أن أشعر، يضم هذه الأجزاء المتناثرة كما يضم الفلاح سنابل الحقل بعد موسم طويل، حتى إذا اكتمل الحصاد ظننت أنني أنا الذي صنعته.
ولم أكن أنا.
لقد كانت الحياة.
وظلت تلك الأشياء تستقر في داخلي، لا تطلب تفسيرًا، ولا تبحث عن معنى.
كانت تكتفي بأن تبقى.
وكأنها تعرف أن لكل شيء أوانه، وأن ما لا تقوله الحياة اليوم، ستقوله الكتابة بعد سنوات.
ولذلك لم يكن القلم هو الذي استدعى الذكريات، بل كانت الذكريات هي التي استدعت القلم.
وحين امتلأ الداخل بما يكفي، لم تعد الكتابة قرارًا، بل أصبحت ضرورة؛ كما يفيض النهر حين يكتمل ماؤه، لا لأنه أراد أن يفيض، بل لأنه لم يعد يستطيع أن يحتفظ بكل ما فيه.
وحين أمسكت القلم أول مرة، ظننت أن الكتابة بدأت.
أما الآن فأعرف أنها كانت قد بدأت منذ زمن بعيد؛ يوم وقفت أمام نافذة المطر، ويوم وقفت حائرًا أمام صورة، ويوم حزنت على دفتر ضاع، ويوم عبرت شارعًا دون أن أعرف أنني سأعود إليه في كتاب.
كل ذلك كان يحدث في صمت.
فالصمت هو الكاتب الأول.
أما الكلمات فلا تأتي إلا بعد أن تهدأ النار، ويصبح الألم قادرًا على الكلام، ويصبح الفرح قادرًا على التذكر.
وربما كانت الكتابة، منذ بدايتها، انتظارًا من هذا النوع...
انتظارًا طويلًا...
للحظة تصبح فيها الحياة مستعدة لأن تُروى.
وكلما حاولت أن أكتب، شعرت أنني أسير في ممر طويل، هادئ، لا نهاية واضحة له.
أفتح بابًا، فأجد بابًا آخر.
وأتذكر وجهًا، فيقودني إلى شارع.
وأتذكر شارعًا، فيقودني إلى رائحة كتاب قديم.
وأعود إلى ذكرى، فتقودني إلى رائحة.
وأعود إلى رائحة، فتقودني إلى شارع.
وأعود إلى شارع، فأجد نفسي.
ثم أكتشف أنني لم أعد أبحث عن ذكرى...
بل عن نفسي.
ولهذا، كلما جلست إلى الكتابة، شعرت أن النص يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي.
كان يقودني إلى أماكن لم أقصدها، ويعيد إليّ أشخاصًا كنت أظن أنني نسيتهم، ويعيد أمامي وجوهًا ظننت أنها غابت إلى الأبد، ويأخذني إلى طرقات لم أقصدها، ثم يكشف لي، في كل صفحة، أن الإنسان لا يرى نفسه كاملة إلا إذا نظر إليها من بعيد.
وكان يوقفني طويلًا عند كلمة واحدة، حتى يخيل إليّ أن حياتي كلها كانت تنتظرها.
وحين حاولت أن أجيب عن السؤال، اكتشفت أنني لا أبحث عن طريقة للكتابة، وإنما كنت أبحث عن الطريق الذي قادني إليها.
وحين حاولت أن أجيب عن السؤال الأول، وجدت نفسي أتركه خلفي وأسير في اتجاه آخر.
لم أعد أبحث عن طريقة أكتب بها.
بل عن الطريق الذي قادني إلى الكتابة نفسها.
واكتشفت أنني كنت أبحث في المكان الخطأ.
فالسؤال لم يعد:
كيف أكتب؟
بل:
كيف صرت ذلك الإنسان الذي يكتب؟
ثم ظهر سؤال آخر، أكثر بساطة، وأكثر غموضًا، وأكثر هدوءًا:
متى بدأت الكتابة تكتبني؟
متى بدأت تعيد ترتيب حياتي دون أن أشعر؟
ومتى بدأت الكلمة تعرف طريقي... قبل أن أعرف طريقها؟
عندها فهمت أن الكتابة ليست فعل اليد.
إنها فعل العمر.
بل فعل الزمن.
وليست الكلمات هي التي تولد أولًا، ولا هي التي تُكتب أولًا.
وإنما الحياة.
الحياة هي التي تجمع النظرات، والخسارات، والوجوه، والطرقات، والأصوات، حتى إذا اكتمل موسمها، خرجت في هيئة كلمة.
ثم جملة.
ثم صفحة.
ثم كتاب.
والناس يرون الكتاب.
ولا يرون العمر الذي سبق الكتاب.
يرون الثمرة.
ولا يرون الجذور.
إن الكتابة ليست مهارة.
إنها ثمرة حياة.
ولا تبدأ يوم يمسك المرء بالقلم.
إنها تبدأ يوم يتعلم أن يرى.
ويتعلم أن يحزن.
ويتعلم أن يغفر.
ويتعلم أن يحب الناس، رغم ما فيهم من ضعف.
فالإنسان لا يكتب لأنه يعرف الكلمات.
إنه يكتب لأنه عرف الحياة.
وحين تنضج التجربة، تأتي الكلمات وحدها، كما تأتي الثمرة إلى الغصن في أوانها.
والكلمات لا تأتي إلا متأخرة؛ بعد أن تكون التجربة قد فقدت حرارتها، وبعد أن يصبح الألم قابلًا لأن يُروى، والفرح قابلًا لأن يُستعاد.
وربما لهذا لم أجد بداية للكتابة.
وربما لهذا لا أستطيع أن أحدد اليوم الذي أصبحت فيه كاتبًا.
لأن البدايات الحقيقية لا تعرف التواريخ.
ولا تقيم في التاريخ.
بل في الشعور.
ولا تعلن عن نفسها.
إنها تنمو خفية.
ببطء.
في صمت.
كما تنمو الجذور في العتمة، تحت الأرض.
لا يراها أحد، ولكنها تحمل الشجرة كلها.
وكما يتشكل النهر بعيدًا عن أعيننا، وكما تنمو الأشجار في أطراف القرى دون أن يلاحظها أحد، حتى إذا ظهرت الأغصان، ظن الناس أن الشجرة بدأت يوم رأوها.
وإذا وصل النهر إلى الناس، ظنوا أنه بدأ في اللحظة التي رأوه فيها.
ولا يعرفون أنه كان يعمل في صمت سنوات طويلة.
وهكذا هي الكتابة.
يظهر الكتاب في لحظة.
لكن الكتابة تكون قد بدأت قبل ذلك بكثير.
ربما قبل أن يعرف صاحبها أنه سيكتب.
وربما قبل أن يعرف حتى أنه كان يبحث عن الكلمات.
وربما كانت تكتب، طوال ذلك الوقت، الطريق إليه.
لكن السؤال لم ينتهِ.
كان، كلما ظننت أنني تجاوزته، يعود إليّ من باب آخر.
وحين سألني الرجل: كيف أكتب؟ كنت أبحث عن إجابة واضحة.
أما الآن، فلا أظن أن هناك إجابة واحدة.
وثمة أسئلة لا تأتي لتطلب جوابًا، وإنما لتعيد ترتيب حياتنا.
أسئلة لا خُلقت لتجيب عنها، بل لتغيّر ترتيب حياتك.
وثمة أسئلة لا تطلب تفسيرًا، بل تطلب عمرًا كاملًا.
وكان هذا السؤال واحدًا منها.
فكلما ظننت أنني اقتربت من الإجابة، ابتعدت بي أكثر.
وكلما عدت إلى الوراء أفتش عن البداية، وجدتها أسبق من ذاكرتي، وأعمق من أول كلمة كتبتها.
ولهذا، كلما حاولت أن أحدد بداية الكتابة، وجدتها تنسحب إلى مكان أبعد، كأنها لا تريد أن تُرى، أو كأنها تعرف أن البدايات الحقيقية لا تقيم في التاريخ، بل في الشعور.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد يشغلني سؤال:
كيف أكتب؟
صرت مشغولًا بالحياة التي تسبقها.
وصرت أوقن أن الكتب لا يكتبها أصحابها وحدهم.
إن الحياة تشاركهم كتابتها.
والناس الذين مروا بنا.
والأحزان التي صبرنا عليها.
والأخطاء التي ندمنا عليها.
والأيام التي حسبناها عادية.
كل هؤلاء يكتبون معنا الصفحة الواحدة.
بل ربما كانوا هم الذين يكتبونها، ونحن لا نفعل إلا أن نمسك القلم.
وربما لا نكتب نحن الكتب وحدنا.
بل لعل الكتب هي أيضًا التي تكتبنا، صفحة بعد صفحة، ودهشة بعد دهشة، حتى إذا انتهينا منها، اكتشفنا أننا لسنا الأشخاص أنفسهم الذين بدأناها.
وربما تكون الكتب، في النهاية، أكثر صبرًا منا.
تجلس في أعماقنا سنوات.
تعيد ترتيب ما عشناه.
تحذف ما لا يستحق البقاء.
وتترك ما سيصبح يومًا معنى.
ثم تخرج إلينا صفحة بعد صفحة.
حتى إذا أغلقناها، اكتشفنا أن الذي انتهى ليس الكتاب وحده.
وإنما الإنسان الذي بدأه.
لقد غيرتني الصفحات كما كتبتها.
ولذلك، كلما انتهيت من كتاب، شعرت أنني لم أعد الرجل الذي بدأه.
كأن الذي أغلق الصفحة الأخيرة ليس هو الذي بدأ الصفحة الأولى.
كأن رجلًا آخر كان يسكنني في الخفاء، ينتظر حتى أتعب، ثم يكمل الطريق وحده.
وكأن أحدًا آخر كان يجلس في الداخل، ينتظر أن أنهض قليلًا، ثم يتولى الكتابة.
ولم تكن الرحلة، في حقيقتها، إلى الكتابة.
بل كانت إلى معرفة النفس.
وربما لا تنتهي الكتابة عند هذه اللحظة.
لأنها، كلما أوهمتنا أننا وصلنا، أعادتنا إلى البداية.
وما إن نقترب منها، حتى تبتعد قليلًا، لتدعونا إلى الاقتراب مرة أخرى.
وربما لهذا لا تنتهي الكتابة أبدًا.
لأنها ليست طريقًا إلى كتاب.
إنها طريق إلى الذات.
إلى ذلك الإنسان الذي ظل يتكوّن في صمت، بينما كان يظن أنه يعيش حياته فقط.
ومتى تحول ذلك الطفل الذي كان يحدق طويلًا في المطر، وذلك الشاب الذي كان يحتفظ بقلم لا يكتب، وذلك العابر الذي لم يعرف لماذا حزن أمام بيت مهجور، إلى شخص يظن أنه يكتب، بينما هو، في الحقيقة، يقرأ ببطء ما كتبته الحياة فيه منذ البداية؟
وحينها نلتفت إلى الوراء، فلا نجد بداية واحدة.
بل بدايات لا تُحصى.
نافذة.
وصورة.
ورائحة كتاب.
وشارع.
ووجه عابر.
وقلم احتفظنا به أكثر مما ينبغي.
ودفتر ضاع، ولم نكن نعرف أن ضياعه سيبقى معنا أكثر من بقائه.
وصمت طويل كان يكتب فينا قبل أن نكتب حرفًا واحدًا.
ومن هنا...
ومن هناك...
بدأت رحلتي.
لا إلى الكتابة.
بل إلى الكلمة.
إلى تلك الكلمة التي كانت، منذ البداية، تعرف الطريق إليّ أكثر مما كنت أعرف الطريق إليها.
بل إلى الكلمة وهي تبحث عن صوتها في داخلي، وأنا أبحث عن نفسي فيها.
وعندها فقط...
بدأ السؤال يغيّر معناه.
ولم أعد أنا الشخص نفسه الذي حاول، في أول الأمر، أن يجيب عنه.
ولهذا، لو عاد إليّ ذلك الرجل اليوم، وسألني السؤال نفسه، لما أسرعت إلى الجواب.
ربما ابتسمت كما ابتسمت يومئذ.
ثم قلت له في هدوء:
— لا أعرف كيف أكتب.
لكنني أعرف أن الحياة بدأت تكتبني قبل زمن طويل من اليوم الذي ظننت فيه أنني صرت كاتبًا.